الثلاثاء، 5 يوليو 2011

بدء النزول

بدأت النزول يوم الأربعاء 26 يناير سنة 2011 ، وحتى الجمعة ، جمعة الغضب ، اليوم المشهود .
شهدتُ اليوم بعيني ، أجلّ ما مرّ عليّ من أيام .
رغم إمتلاء اليوم بالذل ومهانة المصري بيد مصري ، وقتل بعضُنا لبعضِنا ..
رغم إمتلاء اليوم بالطعنات والخناجر المسمومة التي أدت قلبي ..
رغم الشوكة التي زُرعت في نفسي ، ولن تُجتث ..
رغم الغصّة التي ستظل في حلقي إلى الأبد ، ومرارتها التي ستظل تتعتق في فمي إلى أن ألقى وجه العدل المنتقم ..
فإنه سيبقى أعظم يوم شهدته في حياتي ..
سأظل أتذكره ، وأخلّده ، وأحكي لأولادي وأحفادي وكل نسلي من بعدي ، كيف وهبهم الأولون حريتهم .

لن أخوض في تفاصيل الأيام كاملة ، فأنت قد قرأت وسمعت عنها الكثير ، وربما تكون قد رأيت بنفسك ..
كذلك ، لا أتوقع أن تستعيد ذاكرتي كل هذه الأحداث والتفاصيل دون أن تتمزق ، وتعرّي من نُحت تحتها من شروخ وأخاديد حُفرت ، ولن تُردم أبدًا .
فقط ، سأحكي عن بعض المشاهد التي رأيتها بعيني وكنت أحد أطرافها ، خلال تلك الأيام .
وأغلبها - إن لم تكن جلّها - مشاهد ربما تكون صعبة بعد الشئ..
فإن كنت من هؤلاء الذين يفضلون إغماض أعينهم على رؤية الألم ، فأرجوك ، توقف عند هذا الحدّ .

الجمعة، 1 يوليو 2011

الشظية

لم أنزل يوم الثلاثاء 25 يناير 2011 !
نعم ، تخلفتُ عن أول أيام الثورة .. ثورة الحرية والكرامة .
لم أنزل ؛ ليس لأنني كنت مسافرًا ، أو لأنني لم أعلم بوجود ثورة ،
ولكننى لم أنزل لأسباب أخرى ...

==========

عشتُ ما مرّ من عمري مولعًا بالتاريخ ، أقرأ عن نضال الشعوب في سبيل الظفر بحريتهم ، أو لطرد مستعمِر أجنبي ، أو .. أو ..
قرأت عن الثورة البلشفية ، وعشتُ الثورة الفرنسية ، كنت زنجيًا بجانب مالكوم إكس ، هِمتُ بالثورة الجزائرية ..
وكذلك الثورات المصرية : العرابية ، ثورة 1919 ، وأخيرًا ثورة يوليو .

تاريخ .. تاريخ جميل ، وشعوب عظيمة كافحت حتى نالت حريتها بيدها ، ولم تتسولها .
تساءلت كثيرًا : لمَ انتهى عصر هذه الثورات ؟ لماذا لا تثور الشعوب ؟
هل هم راضون عن حياتهم إلى هذا المدى .. أم إنهم إرتضوا بها ؟!
كانت الإجابة الوحيدة : الثورات تاريخ .. تاريخ عظيم ، كُتب قديمًا لنقرأه ، نقرأه فقط .

تمنيتُ كثيرًا لو كنتُ في إحدى هذه الثورات التي قرأتُ عنها ، لو تذوقتُ ذلك الاحساس الذي طالما شعرتُ به وأنا أقرأ ، على أرض الواقع .
ظل حلمًا ، ليس بعيد المنال فحسب ، بل من المحال أن يتحقق ؛ فإرادة الشعب قد ولّت ، وزال ثمن الثورات ، نسى الناس صوتهم وأنهم ما زلوا أحياء ،
وعلينا أن نمضي أجلنا بإنتظار معجزة من السماء ..
بإنتظار جنود الله ... تخلصنا من عبيده !

كانت أمنية عصيّة ، واحدة من تلك الأمنيات التي تتمناها عندما ترى شهابًا يدلف في السماء ، وما إن توليه ظهرك ، حتى يُخرج لك الشهاب لسانه مستهزءًا ، وربما قال لك : هع .. إبقى قابلني !

جاء الحلم ، وبدأت الثورة ... ولم أنزل ؛
لأنها بالتأكيد مزحة سخيفة ؛ فزمن الثورات - كما تعلم – قد ولّى ..
وأنا أنتظر معجزة من السماء ..
أنتظر جنود الله ..

(( أو هكذا إعتقدتُ))

***

كمعظم الشباب ، تلقيتُ دعوة النزول لمظاهرة سلمية من خلال الفيس بوك .
علمتُ بكل التفاصيل ، موعد المظاهرة ، وأماكنها ؛ فضحكت ، وقلتُ كما قال لك الشهاب قبل قليل : مظاهرة ؟ هع .. إبقى قابلني !
ولأنني أكره لعب دور مُثبِّط الهِمم ، تحاشيت الحديث مع أحدٍ في الأمر ، وتركت من انتوى المشاركة يشارك ، وهم على كل حال لن يتخطوا المئات ، وسأجلس أنا مع الجموع الغفيرة أتابعهم من المنزل .

جاء الحلم ، وبدأت الثورة ... ولم أنزل ؛
لأننى يائس ، لم أثق يومًا بإرادة المصريين حتى بات إيماني أن لا شئ - سوى صور إسرافيل – بإمكانه إيقاظهم من سباتهم العميق ، فهل مجرد دعوة على الفيس بوك ستكون هذا البوق ؟!
محال !

(( أو هكذا إعتقدتُ ))

***

على مدى الماضي القريب ، تابعتُ عدة أحداث مثل هذه تتم ، وتبوء جميعها بالفشل ؛ إما لأن أحد لم يلبّي الدعوة ، أو لأن أحد لا يستجيب .
تابعتُ إعتصام عدة نقابات ، ومظاهرات المحلة ، والعديد من الوقفات الاحتجاجية ، والمسيرات السلمية ، وما لا يحصى من الوقفات الصامتة ؛ ولم يحرك أحدٌ ساكنًا ، وكأنها كانت فى دولة أخرى ،
بل وأعتقد أن السادة المسئولين قد خرّوا على قفاهم ضاحكين ، ومن الأخيرة بالذات (وقفة صامتة ! )

جاء الحلم ، وبدأت الثورة ... ولم أنزل ؛
لأنني متشائم ..
فقل لي أنت بالله عليك .. لم أتكبّد هذا العناء ، ما دام سيضيع في النهاية هباءًا ؟!

(( أو هكذا إعتقدتُ ))

***

ليس لديّ - نسبيًا – همّ شخصي أعاني منه ..
لا أعاني ضائقة مالية ، لا أريد علاجًا على نفقة الدولة ، لا أقف ساعات فى طوابير الخبز ، لم يقتل مخبرون أخى ثم ينعتونه " شهيد البانجو " !
بالإضافة إلى إنى طالب فى أفضل كلية .. كلية الطب .. في غضون سنوات قليلة سأنهي دراستي وأصير طبيبًا ، وربما طبيبًا ماهرًا ، لم لا ؟!
سيكون لي مركز إجتماعي مرموق ، مهنة شريفة ، منزل هادئ ، زوجة حنون وأبناء طيّبون ، وثروة (فلمَ الثورة؟!) .
لماذا أنزل وأُقتَل ، أو يتم اعتقالي ، وأضيع بذلك هذا الحلم الوردي الجميل ؟!

جاء الحلم ، وبدأت الثورة .. ولم أنزل ؛
لأنني كنت جبانًا !

(( أو هكذا إعتقدتُ ))

==========

لم أنزل يوم الثلاثاء ، لكنني نزلت الأربعاء والخميس والجمعة .
ما رأيته يوم الثلاثاء حطّم يأسي وتشاؤمي وجُبني .

- لم تكن مزحة سخيفة ، بل كانت ثورة .. ثورة حقيقية ، كتلك التي طالما قرأتُ عنها . لم أكن لأفوّت فرصة المشاركة في الثورة .. حلمي القديم ، وأملي الحاضر ، والسبيل الوحيد لغدٍ أفضل .
لم أكن لأفوّتها ، وأجلس لأتابعها في التلفاز ..
أردتُ كتابة ثورة ، وليس مجرد قراءتها ...
لذا نزلت .

- لأننا خير أجناد الأرض ..
لأننا - نحن - المعجزة ..
لأننا - نحن - جنود الله ، إذا أخلصنا النِيّة ..
لأن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم ...
لذا نزلت .

- استيقظ المصريون واستفاقوا .. نزل مئات الآلاف يطالبون بحقوقهم ، وبدا شعاع الأمل يلوح في الأفق ...
لذا نزلت .

- نزلتُ ؛ لأنني لم أخش شيئًا ، الحلم الوردي كان باطنه أسود اللون والمصير . من يريدون الخبز و العلاج هم أهلي ، وشهيد الطوارئ أخي ، من أخدع ؟!
وأي حياة أخاف عليها ؟! فليقتلوني إذن إن أرادوا ..
للحرية ثمن ليس ببخس ، وللجنة ثمن نفيس ...
لذا نزلت .

***

نزلت ..
كنت قاب مترين أو أدنى من الموت ، مرّ الرصاص من أمام عيني ومن فوق رأسي ، سقطت قنبلة تحت قدمي ، زُهقت روحٌ بين يدي ..
نزلت ..
صرخت معهم : الشعب يريد إسقاط النظام ..
وطفر الدمع من عينى لهيبًا وأنا أهتف : حـــــريـــــة .. حـــــريـــــة .

============

سؤال محيّر :

ترى أيهم أنا ؟
محمود الذي منعه الخوف من النزول أول أيام الثورة ..
أم محمود الذي نزل بقية الأيام يبحث عن الموت ، والموت يهرب منه ؟!

***

سؤال قاسي :

لماذا لم يدركني الموت ؟
يا ويلتي .. أأنا موغل في النأى إلى هذا الحد عن منزلة الشهداء ؟!

الأحد، 12 يونيو 2011

مبتدأ ثان

عقدتُ العزم أخيرًا على إنشاء الموضوع منتصف الشهر الماضي ، عزمٌ لا رجعة فيه ..
تبقى فقط أن أختار عنوانًا ..
أول ما قفز فى ذهني كان اسمًا زياديّا صريحًا ((نسبةً إلى مرشدي الروحي زياد رحباني)) :
" هدوء نسبي "

كان الاسم ملائمًا تمامًا .. هدوء نسبي .. يلائمني ويلائم حياتي كذلك :
- هدوء تلم يلفّني في معظم الأوقات ، أعيش وحيدًا ، أتكلم فقط عند الحاجة / وحتى عندما أردت اقتناء حيوان ، اخترتُ اثنيْن لم أسمع لهما صوتًا حتى الآن :
سميرة (سلحفاة) ، و كريمة (سمكة) .
- لكنه نسبي ، من يرى ظاهره لا يعلم ما يدور بالداخل من أعاصير ، وما يتأجج من براكين .
هدوء نسبي .. اسم نموذجي ، ليس له تيديلاً .

ولأن من طباعي أحيانًا التريث الممل ، وأننى كسول كـ الكوالا ، فقد تمهلت قليلاً ..
ولم لا ، وقد كانت الأجواء هادئة .. نسبيًا .
ولكن وسط هذا الهدوء الخادع ، أطلق التاريخ دقته التي أيقظت ملايين المصريين .. فى الخامس والعشرين من يناير .
بدأت الثورة ، ولم يعد هناك أي هدوء ، ولو حتى نسبي .
عشتُ في الثورة أيامًا ، قُطعت خلالها الاتصالات وخدمات الإنترنت ،
ثم نُفيت ، أُجبرت على السفر قهرًا إلى الواحات البحرية ، وبالأمس عدتُ .

كالجميع ، غيّرت الثورة بداخلي أشياء عديدة ..
لكنها كذلك غيّرت عنوان الموضوع من "هدوء نسبي" إلــى
"لولا فسحة الأمل" ... وهو اسم طغرائيٌّ زياديٌّ صريح ..
(( نسبة إلى الطغرائي .. الشاعر الأصفهاني ، ومن بعده زياد رحباني ))



عن فسحة الأمل :
"لولا فسحة الأمل" هي إحدى مسرحيات زياد رحباني ، قدمها سنة 1994
والجملة أصلها شطر للطغرائي في قصيدته الشهيرة "لامية العجم" :
أعلل النفس بالآمال أرقبها == ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

ساعات قليلة مرت على بداية الثورة ، تبدل فيها الحال تمامًا ، وتغيرت رؤيتي لبلدي ، التي كنت أراها من خلال كلمات تميم البرغوثي :
يا مصر بطنك بتكذب == ولا حملك حق
إلى كلمات الطغرائي :
أعلل النفس بالآمال أرقبها == ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

بل ورأيت فيها بعيني ولادة الأمل من رحم معاناة الوطن ..
وها هو الأمل ينتظر قطع حبل الخلاص ..
ها قد انقطع بالفعل .


فاجأني زياد قبل عدة شهور بإسم ألبوم أمه السيدة فيروز : "إيه .. في أمل" ..
ولم يكتفِ بذلك ، بل خلّد أيضًا بصوت فيروز كلمات جبران خليل جبران :
" الأرض لكم . قدّسوا الحرية ؛ حتى لا يحكمكم طغاة الأرض "

ورغم أننى أثق فى زباد إلى أبعد مدى ، وأصدق كل ما يقول ، إلا أنه هذه المرة قد أثار شكوكي ..
أي أمل هذا ؟ ومن أين سيأتي ؟ وكيف ؟!
لم أتوقع أن الرد سيكون سريعًا هكذا ، وبمثل هذه القوة .
أعتذر منك زياد عن شكّي الأهوج ..

إيه زياد ، الأرض لنا ، إيه .. في أمل .


جاءت الثورة ، لتكون الأيام التى خضتها وشهدتها هي ما سأبدأ به .. غرّة الموضوع .



الجمعة، 10 يونيو 2011

مبتدأ أول

منذ أن دخلت عالم بلاطي السحري ، وأنا دائم التردد فى إنشاء موضوع خاص بي ، أسكب فيه هراءاتي ، وأطردها من ذهني ؛ لعلّي أتخلص من مؤلم المستمر في الروح .
الروح ، التي وإن لم تكن بهذا القدر من الشفافية والنقاء الذى تمنيته ، إلا أنها رقيقة هشّة بالقدر الذى لم أتمناه قط .
يشير إليّ بعض الأصدقاء بذلك ، ساقين عدة حوافز مثل : كى يراك الآخرون بشكل أعمق ، كى تحافظ عليها من الضياع ، وقد يشاركك الآخرون شطحاتك ..
ينتقل حماسهم إليّ أنا الآخر ، ثم أفيق لأرى أن كل ما يرونه محفزًا لي هو في واقع الأمر ينفرني أكثر . لمَ أثير غثيان عقلك ، وما الدافع وراء تلطيخ نقاء روحك ؟ ، وفي النهاية لن يقلل ذلك من شقائي الخاص شيئًا ..
تنطفئ جزوة الحماس الملفقة داخلي ..
يبقى فقط رمادها ، وصوت من الأعماق يأتي : اكتب !


احترم القراءة ، أحبها،وأقدّسها،وأمجّدها .
قرأت "عزازيل" ، وهي أفضل ما قرأت بالعربية ، تأثرت بها كثيرًا .. أعترف بذلك .
ولكن قبل أن تكون هناك عزازيل ، كان هناك دائمًا -ولا زال- ذلك الشيطان اللعين بداخلي ، يعيث فى النفس فسادًا .
ربما لديك أنت أيضًا شيطانك الخاص !
لا تنزعج .. لا أثير غضبك ، فقط إهدأ وفتّش بداخلك جيدًا .. ستجده لا محالة .
بمرور الوقت ، أكتشفُ أنني وشيطاني لسنا مختلفيْن إلى هذا الحد ، أجد أننا نكوّن معًا عملة واحدة ، وهل هناك عملة بوجه وحيد ؟!
احتمالٌ واردٌ وبقوة ، أن يكون اللعين فقط من نسج الخيال ، صنعته أنا - فقط - لأحمّله وزر ما أرتكبُ من خطايا ، ربما .
لكنه سواء كان حقيقيًا أو مصطنعًا ، فهو دائمًا موجود ، يصبّ الأفكار في ذهني ويفرّ ..
يتركني لأعاني وحدي تغلغاها ورحلتها المؤلمة من العقل إلى الروح ..
تؤرقني أيامًا ، ينحل جسدي وينقص وزني ، تصيبني الحمى ، أغيب عن الوعي أخيرًا ، وأفيق ، لأجده بجواري يقول : اكتب لتشفى !
أعترضُ ، أتمنّعُ ، أرفضُ ؛ فيكتب هو .


حسنًا ، دعني أخبرك شيئًا ..
في مرّة ،عندما أعدتُ قراءة ما سبق لم أفهم منه شيئًا ، ولم أدري إلى أي منتهى منطقي يقود ، لذا .. أرجوك لا تجاملني وتقول أنك فهمت شيئًا .
ولكن أتعلم ؟ إنها تلك العادة التي تلازمني أغلب الأحيان ..
عندما أريد قول شيئًا ما ، أرى أنه قد يكون صادمًا بعض الشئ ، أظل أدور حوله متفلسفًا بكلامٍ سفسطائي لا معنى له ، وأسوق تبريرات واهية لا تقنع أحدًا ، قبل أن أقولها صراحة :
" الكتابة فعل رجس من عمل الشيطان "


أكره الكتابة فعلاً ..
أقاطعها فترات طويلة ، وأتمنى أن نفترق إلى الأبد ..
أخفي الأوراق ، أكسر الأقلام ، أهجر قراءة الأخبار ، أشاهد أفلام الأطفال الكارتونية ..
ولكن أين أذهب بعقلي ؟!
تجثم الكلمات على صدري ، وتزدحم الطرق في رأسي ، وتختنق أنفاسي كمن يصّعّد في السماء ؛ فألفظ الأفكار أملاً في أن أتخلص منها وأستريح .

أخبرتك قبل قليل أن لديّ روح هشّة ضعيفة ، أخف النسائم تذروها وتحيلها هباءًا منثورًا ، فما بالك بأعتى الرياح ؟!
أكتب ، لأحافظ فقط على روحي لتبقى كما هى ، لتمكنّي من متابعة باقي حياتي في سلام ، إن كانت دروب تقويمها قد إنقطعت .

أمّا إذا كنت تفضل الرواية الأولى ، وأن الشيطان هو من يكتب ، فربما أصبح لديك الآن دليل مقنع على أن الشياطين ليست كلها أشرار.


14/2/2011

الخميس، 17 مارس 2011

قطار

ـ"أترك زمام أمرك للطفل الذي كنته"
من كتاب "الذكريات الصغيرة" لخوسيه ساراماجو ، نقلاً عن كتاب "النصائح"ـ


أتممت الثانية والعشرين في نوفمبر الماضي ..
اثنان وعشون عامًا ، أراها مرت سريعًا أحيانًا ؛ فيصيبني ذعر ..
وألمح -أحيانًا- ذكريات الطفولة بعيدة .. بعيدة ؛ فأغتمُّ .

أضع صورتي صغيرًا على جانب المرآه ، وأنظر لوجهي في الجانب الآخر ..
يا الله !
ماذا حدث ؟ لماذا لم أعد -أنا- أنا ؟
لماذا تركت هذا الطفل النقي ، وسمحت لهذا الآخر أن يرتع ويفسد كيفما شاء ؟!
بالتأكيد لم تكن أيام الطفولة كلها سعادة ، لكنها على أيه حال كانت أفضل من الآن .

كنت طفلا هادئًا،ماكرًا بعض الشئ ، أمشط شعري على جنب ، ألعب الكرة في الشارع ، وأفرّ هاربًا عندما تصطدم بشرفة أحد الجيران ..
أشاهد الرسوم المتحركة ، لدي لعب أحبها ، أتسلق الأشجار وأصيح كطرزان ، أفكك كل جهاز كهربائي لأستخدم المغناطيس أو الموتور في إختراعاتي العلمية التي ستغير حياة البشر في المستقبل .
كنت طفلا وديعًا ، جميل القسمات قليل الكلام ، يحبني الجميع ، وأحب نفسي ..
وحتى صديقات إخوتي كن يلتهمن وجنتي كلما رأوني ..
فأين ذهبت تلك الأيام ؟ ()

هي لم تذهب ، أنا من أجربتها على الرحيل ..
فأنا من ثار متمردًا عند الحلاق : رجعلي شعري على ورا !
وأنا من هجر اللعب في الشارع وتسلق الأشجار ..
أنا من استبدل الرسوم المتحركة بأخرى ثابتة ، ودفعت الرسوم من روحي النقية ، واستبدلتها بأخرى خبيثة فاسدة ..
مثلما استبدلت لعب الأطفال بـ علب السجائر ..
وبدلا من أن تغيّر إختراعاتي العلمية حياة البشر ، تغيرت حياتي أنا كليًّا .

=====

مررت أمس من أمام أحد محال لعب الأطفال ..
توقفت فجأة ونلتُ ما نلت من سباب السائقين ورائي ..
وقفت مبهورًا أمام واجهة المحل ، ثم تذكرت أن خلال الإثنين وعشرين عامًا الضائعة لم أمتلك يومًا قطارًا(لعبة) .
استعنت بكل مكري ، واستخدمت كل الحيَل لأقنع البائعة أنه هدية لأحد أبناء إخوتي،وكي لا تكشف نواياي ، حتى أنني أظهرت لها صورة لـ "إيثار" إبنة أختي .
أخذت البائعة تشرح لي مزايا هذا ، وكيف يعمل ذاك ، حتى أعجبني أحدهم فقلت : دة أكيد هيعجبها!
وبينما كانت البائعة تلف القطار في ورق الهدايا ، دار في ذهني ما قرأته أنت في البداية إلى أن قاطعتني :
- تحب معاه كارت ؟
- كارت إيه ؟
- كارت لعيد الميلاد .. عشان إيثار ؟
- والله يعني .. في الحقيقة .. هو مش لإيثار ، هو ليا .
فابتسمت ولم تقتنع ...
ولم تضع كارت .

لا أدري كيف أصف لك فرحتي بالقطار ، كانت كفرحة مراهِقة تقدم أحمد عز لخطبتها ..
كان فرحي الأكبر لإستعادة جزءًا من روحي .. جزءًا مني .

=====

طفولتي العزيزة ..
آسف على إهمالي لكِ السنوات السابقة ..
أصالحك الآن بالقطار ..
غدّا mbc 3 ..
بعده سأخرب جهاز الراديو ..
بعده سأسرق التوت من شجرة الرجل اليوناني عند مدرستي القديمة ..

ولكن ، آسف مرة أخرى ..
لن أستطيع أن أمشط شعري على جنب .

الثلاثاء، 7 ديسمبر 2010

فيرجينيا



دعنى أبدأ بالجملة التى اختمرت فى ذهنى كبداية ، وبعدها اكتشفت أننى قد استخدمتها من قبل أمام مئات الأفعال .
سأجد صعوبة فى إقناعك أن ذلك (الفعل) هو أكثر شئ أكرهه إن كنت قد رأيتنى من قبل أقسم بكل محرجة من الأيْمان أن أشياء أخرى هى " أكثر شئ أكرهه " ..
لذا ، أتمنى منك أن تتغاضى عن ذلك ..
فأنت تعلم عندما يحاول أحدهم كتابة شئ ما ولا يجد ما يستهل به حديثه ، وتعرف بالطبع - كذلك – عندما تلتصق برأسه جملة ما ، يراها - وحده – الأنسب ، وقتها ، قد يتنازل عن جلده فى مقابل هذه الجملة .

=======


أكثر شئ أكرهه هى تلك اللحظات التى يغمر فيها اللون البمبى الحياة ..

عندما تتسامح مع نفسك وتتصالح مع ذاتك ولو لدقائق قليلة ، لكنها تكفى لكى ترى أبشع ما فى الكون أبدعه ..
تلك هى الدقائق التى أكرهها أكثر من حسام البدرى نفسه .
لسبب مبهم ، لم أعرفه قط ، تضعنى دائمًا فى تلك الخانة مع هؤلاء الذين " بيحبوا على نفسهم " ..
لذا أفرّ من هذه الحالة فرار الطفل من كلب مسعور ..
يوم سئ بالفعل ، ذلك الذى تتخلله بعضٌ من هذه الدقائق .


فى مثل هذه الأيام ، أستيقظ – على عكس العادة تمامًا – نشيطًا مبتسمًا بعد حلم جميل ، أحاول جاهدًا أن أتذكر منه أية تفصيلة بلا جدوى ، ولكنه بالتأكيد كان جميلاً ، فأنا سعيد !


أدير جهاز الكمبيوتر بينما أغسل أسنانى بمعجون النعناع الذى أمقته بشدة ، لكن ليس الآن ؛ اليوم أحب كل شئ ، والنعناع معجونى المفضل ..


أعود لجهازى وأضع بالقائمة ثلاثة أغنيات فقط بالترتيب :

- هزينى بسحرك من جوة .. دة أنا قلبى لا حول ولا قوة .. ضد التيار
- تليها : ندهنى حبيبى جيت بلا سؤال .. من نومى سرقنى من راحة البال
- وأخيرًا : تعى نقعد بالفية .. مش لحدا هالفية .. حبينى وفكرى شوية


لا أمشط شعرى ، يبدو أفضل وهو فوضوى من دون تمشيط ..

أحتسى قهوتى بهدوء مبالغ فيه ..
ثم أرتدى ملابسى فى عجل ؛ فبالتأكيد لا أود أن أتأخر على حبيبتى ، والتى لا أعرفها ، ولكنها ستكون أول فتاة تقع عليها عينى ، ولو كانت أنثى فرس النهر !


عطرى المفضل .. أتكفى ربع الزجاجة ؟!

كلا ، سأكتفى بالقليل فقط ، ربما كانت تعانى نوعًا ما من الحساسية فأزيد بذلك من توترها ، كما أننى أريد أن أترك المجال لعطرها – هى - أن يتسيّد الكون ، فلربما يكون هو آخر ما أتذكره منها غدًا !
وهذا إن كانت ممن يتعطرن .. فأنا بالطبع لا أعرف !


فيرجينيا الآن بانتظارى ، هكذا أسميتها ؛ فأنا لا أراها أبدًا إلا " فيرجينيا جميلة الجميلات " ..

ويبقى السؤال : من ستكون فيرجينيا هذا اليوم الوردى اللعين ؟
آنسة سُمية مالكة محل الخردوات ؟ لا .. فقد عشقتها مرتين الأسبوع الماضى !
مدام نادية من الصيدلية ؟ مدام ؟! كلا ، لا أضع مفتاحًا فى سيارة مستعملة .
إذن .. لنرتجل .

=======


أستقل الميكروباص إلى المترو ومنه إلى الكلية ، واثقًا من أنها ستظهر إن لم يكن عاجلاً فآجلاً ..

وضعت الهاند فرى فى أذنى ، فاخترقنى صوت زياد رحبانى من مسرحية " بالنسبة لبكرة شو " قائلاً : "" ابنك حمااار يا ثُريا "" ..
تذكرت على الفور ، فأخرجت ملزمة الـ
Histopathology
أطالع منها ما تيسر ؛ كى لا أبدو حمارًا أمام الجميع ، وفى الوقت نفسه أتلذذ بممارسة عادتى الدائمة بمناورة الفضوليين وإخفاء ما أقرأ عن أعينهم !

مرت دقائق ، وكان الميكروباص قد خلا إلا منّى وسيدة عجوز تجلس فى الأمام ، وبينما يسود الصمت المكان ، إذ ، .. .. ..


=
هذا بالطبع ليس فيلمًا سينمائيًا ، لكننى أثق فى مخيلتك ، - لطفًا - اضغط الآن على زر الـ
slow motion
=




أريد أولاً أن أوضح لك حقيقة فلكية : لا تذهب النجوم نهارًا إلى مضاجعها بعد ليل طويل أنهكها خلاله نظرات المتصوفين والعاشقين ، بل تبقى فى مكانها ولكن سطوع الشمس يطغى على لمعانها ، فلا نراها .. وحده من رأى فيرجينيا فى ذلك اليوم تقف على بعد عدة أمتار من الميكروباص يدرك هذه الحقيقة !


كانت تقف هناك تتعارك مع الشمس التى لم تجد لها لذّة إلا فى مغازلة وجه فيرجينيا ، فيرجينيا وحدها ..


دعيها عزيزتى تتزود منك فهى – مثلى – مغلوبة على أمرها ، لا تلقِ لها بالاً ؛ فأنا من الآن منشغل بوضع الخطة لصرعها ، وصنع شمسًا جديدة لنا ، يبنى الناس أماكنهم تحتها ، وينظرون إلينا من القاع .


لا أحد يعرف فى طبائع الأشجار مثلى ، هذه هى الفرع الأسطورى الذى لا جذر له ، الفرع الذى سأبنى به حديقتى سحيقة القرار ، ذات السطح المزهر كما القاع مزهر ، فقط ورود بيضاء .



أشارت للسائق أن يتوقف ، فسمع وأطاع ، ومن ذا الذى يجرؤ على مخالفة أمر من فيرجينيا ؟!

وعل كل حال ، لو لم يفعل لنحرتُ - أنا - عنقه فى الحال !


صعدت فيرجينيا وهى تتملك من عقلى ، وقد احتلت منه كل مساحات الوعى ، وطردت كل ما كان يشغله قبلها ، فلا أرى الآن سواها .


وحتى الآن ، كان بإمكانها إسدال الستار على كل شئ ، كان بإمكانها أن تجلس بأى مقعد من تلك الخالية أو حتى بجوار العجوز ، ولكنها فى هذه الأثناء كانت تستخدم سلاح أعتى المجرمين ، الأكثر تدميرًا ، والمحرم دوليًا : النظرة العميقة ..



أتعلم ؟ هناك نظرة ما تسوقك إلى فقدان الذاكرة ، إن لم تكن تؤمن بهذه الحقيقة العلمية من قبل ، فلتفعل الآن وتترك إلحادك !



صوبت سلاحها نحوى ؛ فتجمدت ، و لم تكتفِ بذلك ، بل تركت كل المقاعد وجلست بجوارى ؛ لتفضّ - كقائد أوركسترا محنّك – نغمات قلبى الرتيبة ، وتقوده إلى عزف أعظم سيمفونية من النبض العشوائى .



هكذا ، جلست الجميلة بجوارى ، يتسلل عطرها الهادئ فى جميع أركان المكان ، تسير جزيئاته وهى تلعن حجمها الذرى وقوانين الفيزياء التى أجبرتها على مغادرة جسد فيرجينيا والهبوط على أنفى ، فأنتقل - بها - إلى حيّز مكانى آخر لا يوجد فيه سواىّ وفيرجينيا ، وأقل مسافة خالية بيننا هى ألد أعدائى .



أفقت عندما رأيتها تمد يدها فى حقيبتها وتخرجها بيضاء من غير سوء ، رأيت أزهارًا فضية ، ونجومًا ملونة ، وأنهارًا من الحليب ، وثلاث سمكات تضحك ، وآمنت أنها ستضع الآن يدها على صدرى لتشفى سقمًا فى الروح ؛ فمن غيرها قادر على الإتيان بالمعجزات فى هذا الزمان ؟!


ولكنها سريعًا أقنعتنى أنها فقط تريد أن تدفع أجرة الميكروباص لها ولصديقتها ، تلك التى لم اكتشف وجودها إلا الآن .



>> فيرجينيا شخصية قيادية ، لديها حس المبادرة ، وكرم طائى ! <<


وماذا بعد ؟ يمر الوقت كالريح .. نجلس صامتيْن ، لا أحادثها ، لا حوار بيننا بعد "اتفضلى الباقى " ، لا أدرى كيف أقنعها أنها هى فيرجينيا التى بدأ بها يومى وخرجت سعيًا وراءها ، كيف .. .. ..


وتنزل العطايا من السماء ، عندما لا تتوقع ذلك .


- الجو حر أوى النهاردة ، من فضلك معاك كلينكس ؟

يا الله ! كيف غابت عن عقلى تلك الحيلة حجرية المنشأ لكسر جبال الجليد ؟!

- آه فعلاً ، اتفضلى .

وبعد أن جادت على المنديل بحبات العرق من جبينها ، وجدتها تنظر طويلاً إلى ورق الـ

Histopathology
، فاعتزلت – ولو مؤقتًا – عادتى وتركتها تقرأ بهدوء ، متظاهرُا بعدم الإهتمام ، إلى أن :

- هيسـ ... ، هسـ ... ، هسيـ ...

- هيستوباثولوجى

مسرعًا قلت ؛ كى لا يزداد حرجها


>> فيرجينيا لديها مشكلة صغيرة مع اللغة الإنجليزية ، وماذا إذن ؟ فلتذهب الإنجليزية إلى الجحيم ! فهى من خسرتها !! <<



- ويعنى إيه دى بقة ؟

- ...... .. .. . .. . .. ... .. (وبعد شرح مطوّل)


- طب وأنت فى كلية إيه ؟



>> فيرجينيا ليست غبية !! هى فقط تحب التأكد من كل شئ <<



- طب عين شمس .

- ممم .. وإسمك ... ؟

-
محمود

- أومال إيه زيزو اللى على الورق دى ؟



>> ألم أقل لك سحقًا للإنجليزية ؟! ها هى عزيزتى تقرأ العربية بطلاقة ! <<



- محمود عزيز

- - أهااا .. ممم .. طب مش تسألنى أنا كمان عن إسمى ولا إيه ؟!


أيمكن أن يكون غير فيرجينيا ؟!


- أوك ، إسمك إيه ؟

- حزر ، بيبدأ بحرف النون


>> فيرجينيا ذات الروح النقية ، تملك قلب طفلة ماكرة ، وتحب الأحاجى ! <<


أجبتها مداعبًا :


- نبويّة ؟!

- إيه ؟!! إخس عليك !


جرحتها ، أليس كذلك ؟! تبًا لى ، ولتذهب دعاباتى السخيفة - مع الإنجليزية - إلى الجحيم !


- بهزر بس

- إسمى نسرين

- ممم .. إسم جميل ، تعرفى معناه ؟

- آه ، يعنى 2 نسر .


>> طفلة كما ترى ، تحب البساطة ، وربما التواضع .. لكنها بالتأكيد ليست بلهاء ! <<


- هو فى الحقيقة إسمك أجمل من كدة بكتير ، فى ناس بيقولوا إنه ورد أبيض ريحته حلوة ، وفى الناس بتقول إنه يعنى النور الساطع ، وأنا من النهاردة مصدق إن الإتنين صح ..

- بجد ؟ دة طلع معناه حلو أوى

-




يبدو أنها لم تفهم مغازلتى ، أعترف أنها كانت صعبة بعض الشئ !

فسادت بعدها فترة من السكون ، كسرت هى – كالعادة – حدتها بأن صرخت فى إنفعال :


- شوفت اللى عملوه الهيترز فينا ؟

- أفندم ؟!

- الهييترز !!

- سخانات يعنى ؟!

- لأ سخانات إيه ؟! الهيترز .. اللى هما Tamer Hosny Haters ؟!

- مش فاهم الحقيقة ..!

- احتلوا البيدج بتاعتنا على الفيس ، وبقوا يشتموا تيمو ، وشالوا صوره وحطو بدالها صور عمرو دياب !!

- ثانية واحدة .. اللى عمل فيكو كدة الهيترز .. صح ؟

- أيوة

- طب .. إنتوا مين بقة ؟

- أكبر بيدج ع الفيس .. Tamer Hosny Lovers


>> لا تتسرع فى الحكم أرجوك ، نسرين (فيرجينيا - سابقًا ) ليست مُسِفّة ، هى فقط لم تجد من يقوِّم أذنها ، لم تجد من يقنعها أن تيمو لا يصلح للطرب العربى ، وإنما يصلح فقط كمغنى للـ .. خواجات ، وأنا سأغير عاداتها <<



- أومال أنت كنت بتسمع مين ؟ كنت شايفاك حاطط الهاند فرى قبل ما أطلع .. أوعى تكون .. ؟


تيمو .. هيترز .. لوفيرز .. عمرو دياب .. زياد رحبانى ؟!!!


- لا أبدًا ، كنت سادد بيها ودانى بس عشان بيبقى عندى صداع الصبح !


فترة سادت فيها صدمة صغيرة غير مقلقة مع صمت ، والآن أنت تعرف من أنهاها :



- مقولتليش بقة .. إيه أكتر حاجة بتضحكك ؟


>> نسرين منجذبة إلىّ ! ، هل كانت تحلم هى الأخرى بـ " ريتشارد قلب الأسد " ؟! تريد منى الآن أن أفشى لها بعض أسرارى الشخصية الصغيرة <<


- يعنى .. عادى .. حاجات كتير ، يمكن اللى حاضر فى ذهنى دلوقتى مصطلحين بسمعهم كتير : مركز دعم إتخاذ القرار ، واليوم العالمى لغسل اليدين

- همم ؟ آه .. طب إيه رأيك أقولك نكتة أحسن ؟


>> نسرين خفيفة الظل ، تعشق الدعابات ، وتحب أن تفيض على الآخرين من مرحها <<


- أكيد ، هو حد يطول ..

- بيقولك : مرة واحد بلدياتنا راح الهرم ، راح قايل يااااه كل دى جبنة نستو !

-


- إيه .. بايخة ؟

- إحم .. لا ، أبدًا ، أنا بس ساعات النكتة بتفاجئنى فــ مش بعرف أضحك !


لا أقوى على جرح نسرين



- بس قول لى الأول : هو أنت صعيدى ؟

- الأول إزاى يعنى ؟! ما إنتى خلاص قولتى النكتة اللطيفة ومسحتى بيهم الأرض .. أيوة يا ستى صعيدى !


>> نسرين تحترم مشاعر الآخرين .. نوعًا ما ! <<


بعد قليل ، بدا الإنزعاج على وجهها ، وقد مالت برأسها إلى الأمام ، فسألتها :


- مالك .. إنتى كويسة ؟

- مفيش أنا بس بتعب لما بركب مواصلات ، أستغلك بقة ما دام طلعت دكتور ، مش عارفة ليه كل ما أركب مواصلات بحس إنى عايزة أرجّع !

- أفندم ؟

- أرجّععععع !



نعم .. قالتها هكذا ، كمن حُبس قيؤه لقرون ، وأخيرًا وجد أذنى .. المكان المناسب ..

عذرًا فيرجينيا ، تغاضيت عن الكثير ولم يعد بإمكانى الإحتمال ..
تغاضيت عن لغتك المزرية ، ثقافتك المعدومة ، ومستوى ذكائك المنحطّ ..
تغاضيت عن بلاهتك ، دعاباتك السخيفة ، وأذنك الصدئة ..

والآن تطلبين منى أن أجعل من أذنى وعاءًا يتقئ فيه الأخرون ؟!


عفوًا فيرجينيا ، لقد حطمتِ قلبى !




- ترجعى ؟! معلش مفيش ترجيع .. على جنب يا أسطى ، أبوس إيدك !

- إيه ؟ هو أنت نازل هنا ؟

- هو الحقيقة لأ ، عادةً بنزل الآخر ، بس مش هقدر أقعد تانى أكتر من كدة .

- طب مش هشوفك تانى ؟

- إنتظرى حتى يشيب الغراب !

- إيه ؟!

- إنتى متأكدة إن إسمك نسرين .. مش نبوية ؟!

- !!!


=======



وهكذا نزلت من الميكروباص ، وعدت أدراجى للبيت ، دخلت غرفتى ونمت وأنا أتمنى أن أستيقظ هذه المرة عبوسًا مقتضب الوجه بعد حلم سئ ، أحاول جاهدًا أن أتذكر منه أية تفصيلة بلا جدوى ، ولكنه بالتأكيد سيكون سيـ .....



السبت، 16 أكتوبر 2010

أنا وهم



نوعان من البشر ينجذبان إلىّ كما النحلة تنجذب إلى اللهب : الأطفال والمجانين .. أو المجاذيب كما أفضل تسميتهم ..
الفرق بينهما أن الأطفال يحتاجون وقتًا أطول نسبيًا ، تقريبًا نصف الساعة ، أصير بعدها الكائن البشرى المفضل لهم ..
بينما المجاذيب لا ينتظرون ، بجرد أن يرانى مجنون ما فى مكان ما يلهث نحوى بشوق غير مبرر !
لا أجد تفسيرًا منطقيًا ..
ربما لأننى طفل .. ربما لأننى مجنون ..
غالبًا لأننى طفل مجنون !
=======
لدىّ حتى الآن من المجاذيب ثلاثة أصدقاء حميميين ..
أقربهم إلىّ هو " عم إبراهيم نصر " ، المتردد على أحياء المنيل والسيدة زينب وما بينهما يعرفه بالتأكيد ،
والذى له قصة ما جديرة بفيلم سينمائى لكنّى لست هنا لأحكيها لأن أحدًا لن يصدقها ، بينما أنا أؤمن بها تمامًا .
=======
واليوم زادوا واحدًا .. أصبحوا أربعة .
=======
خرجت من البيت هادئًا ، وعادة ما أخرج فى صمت ملفت للنظر واستكانة تثير الريبة أحيانًا ،
ولأن الشارع كان أكثر إزدحامًا من المعتاد ، ما اضطرنى أن أنظر فى كلا الإتجاهْين ..
نظرتُ يمينًا لكنه لم يتركنى أكمل المائة والثمانين درجة ، إذ وجدته ينطلق نحوى ، يسيل لعا
به من جانبى فمه ، مبتسمًا مهللاً كمُريد وجد أخيرًا مولاه أو كمولى يحمل البشارة لمريده .
وضع ذراعه على كتفى وهمَّ يُقبِّل يدى فتنحيتُ ، وتداخلت القرارات فى رأسى ..
أدفعه وأوبخه .. أتركه وقد يتمادى ولا أعلم ما قد يفعل ..
اكتفيت بضحكة بسيطة ..
نعم ، تلك الضحكة الخالية من أى معنى ، التى يستخدمها الجميع عندما يتعرضون لمثل هذه المواقف
تشجع - هو - قليلاً وقال :
- إزيك ؟ عامل إيه ؟ دة أنا بدوّر عليك من بدرى ؟
- بتدور عليا أنا ؟! أنا تمام .. أنت كويس ؟
- الحمد لله
- طب أنت بتدور على حاجة معينة هنا ؟
- لأ أنا بس جاى أسأل عليك والحمد لله إتطمنت عليك
- طب أنت رايح مكان أقدر أصفهولك أو أساعدك بحاجة ؟
- لأ أبدا ، دة النهاردة الجمعة فقولت أنزل أتمشى شوية وبالمرة أعدّى عليك ، أصلى بقالى كتير مشوفتكش ، إتفضل أنت كمل مشوارك .. معلش عطلتك .. أنا كويس .. أنا كويس ..
=======
لا تنزعج من المجاذيب ، ولا تخف منهم فبعضهم يخاف منك أكثر ..
أحدهم يحتاج فقط لمجرد كلمة طيبة ..
أو إبتسامة ، وإن كانت كاذبة ..
يحتاج أن تسأل عنه ، فلم يعد هناك من يفعل ..
حتى أن بعضهم يحتاج أن يسأل - هو - عنك !
دعهم يسألون عنك ..
دعهم يقبلونك إن أرادوا ..
فهم أضعف كثيرًا مما تظن .
=======
بس الأخرانية دى مش لازم أوى يعنى ـ